*حتماً خسر نتنياهو... وترامب أذكى*
*بقلم: ناجي علي أمّهز*
نتنياهو لم يتعلّم من معاوية. ذلك الخليفة الذي جاءوا إليه برجل محكوم بالإعدام، فقال لهم: "خذوا هذا اللعين وأعدموه".
لكن المحكوم نظر إليه وصرخ بجرأة: "يا معاوية، إن شتمتك وشتمت أباك وأمك، ماذا أنت فاعل؟"
تأمّل معاوية فيه بنظرة ماكرة، ثم قال لحراسه: "أطلقوا سراحه، وأعطوه من الذهب، وليغرب عن وجهي".
وحين تعجّب الحاضرون من قراره، قال: "تعلمت منه درساً عظيماً... إذا حكمتَ على رجل بالموت، فلا تخطئ بحقه، لأنه لم يعد لديه ما يخسره".
وهذا تمامًا ما حدث مع نتنياهو.
لقد تمادى في استهداف المنشآت النووية الإيرانية ذات الطابع السلمي، واغتال قيادات إيرانية، وتجاوز كل الخطوط الحمراء... ثم عاد ليصرّخ: "إيران تخطّت الخط الأحمر!".
لكنه يعلم تماماً أنه لم يبقَ أي خط أحمر يمكن لإيران أن تحترمه، فقد فُتحت الأبواب كلها.
الكيان الإسرائيلي اليوم أمام خيار واحد فقط: إعلان وقف العمليات العسكرية، وترك الإدارة الأمريكية تُدير اللعبة سياسيًا، لعلّها تنجح في تأخير ما يبدو حتميًّا… تدمير الكيان.
وتدمير "إسرائيل" أسهل مما يتخيل كثيرون.
فإذا كانت القوى الغربية مجتمعة، ومعها بعض الدول العربية، لم تستطع إيقاف الحوثيين عن قصفهم للصواريخ لسبع سنوات متواصلة،
بل إن الحوثي — المحاصَر — خرج من حرب عالمية فرض فيها الحصار على "إسرائيل" نفسها، وأغلق المضائق البحرية، وعطّل مطارات تل أبيب، وكبّد الكيان خسائر سياسية واقتصادية فادحة...
فكيف ستكون الحال مع إيران؟
ثم إن ما كان يعوّل عليه نتنياهو من منظومات الدفاع الجوي، من "القبة الحديدية" إلى "مقلاع داوود"، وصولًا إلى THAAD الأميركية... كلها انهارت أو فشلت أمام الصواريخ الإيرانية، التي أصابت أهدافها بدقة متناهية، وكأنها تُلقي برسالة إلى العالم: "التفوّق العسكري الإسرائيلي ليس إلا وهماً إعلامياً".
فإذا كانت هذه المنظومات التي كلّفت المليارات، وتم الترويج لها كحصون لا تُخترق، قد عجزت عن حماية قلب الكيان، فكيف يمكن الحديث عن صمود ومعركة طويلة الأمد في وجه جمهورية اسلامية تمتلك الإيمان والعقيدة والسلاح والهدف؟
إيران أثبتت عند كل مفترق أنها دولة حكيمة، قوية، مرنة، عاقلة، متزنة، واضحة الأهداف، صلبة الاستراتيجية، وتفي بما تلتزم به.
فما الضرر في أن تتوصّل إدارة ترامب — أو أي إدارة أمريكية قادمة — إلى تفاهم مع هذه الدولة التي باتت تفرض احترامها حتى على خصومها؟
ثم ماذا نقول عن خطاب نتنياهو بالأمس، وهو يخاطب الشعب الإيراني باكيًا:
"نحن إخوة، نحن نحبكم أيها الشعب الإيراني العظيم..." نتنياهو يحاول خداع حائكي السجاد.
هل يظن نفسه يخاطب بعض الشعوب العربية التي يُمكن استغباؤها ببضع كلمات عن الطائفية والعداوات التاريخية؟
الشعوب العربية، بغالبيتها، شعوب منهكة، مهزومة، لم تنجح في توحيد قوميتها، ولا في تجاوز انقساماتها التاريخية.
أما الشعب الإيراني، فله قومية وهوية وصلابة سيادية، تُمكّنه من أن يسير على الألغام بجسده ليعبّد الطريق أمام جيشه، كما فعل خلال العدوان العراقي على إيران.
اليوم، إيران عظيمة قوية ليس فقط بترسانتها العسكرية، بل بإيمانها بأنها تستحق أن تكون دولة عظمى اقتصاديًا، بثرواتها الطبيعية وقدراتها البشرية، التي جعلتها تُخصّب اليورانيوم بعقولها، لا بسلاح الآخرين.
أما نتنياهو، فقد خسر كل شيء:
خسر سياسيًا، لأن صورته تآكلت حتى أمام داعميه.
وخسر عسكريًا، لأنه غرق في مستنقع غزة، وغرّق "إسرائيل" بدماء الأطفال.
وخسر اقتصاديًا، لأن الأسواق تئن، والطيران شُل، والتجارة تعطّلت، والحليف الأمريكي يتجه لإدارة الصراع لا خوضه.
بل حتى الحلم الصهيوني القديم بدأ يتآكل.
فمن قيل لهم "تعالوا إلى أرض الأمان" اكتشفوا أنهم في جحيم دائم،
ولم يتبقَ في الكيان إلا أولئك المتعصّبون أو المغرر بهم،
أما الآخرون، فيحزمون حقائبهم عائدين إلى من حيث أتوا.
وأسوأ من كل الخسائر، أن نتنياهو خسر حتى أمل أن يقيم جسراً بين الشعوب العربية والكيان، بعدما ارتكب تحت أعين العالم أبشع مجزرة عرفتها البشرية في غزة.
ختامًا، نتنياهو خسر، والكيان يتآكل، وترامب — مهما قيل فيه — يبقى أذكى من نتنياهو عندما حذره من الدخول بحرب على ايران.


